مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

233

شرح فصوص الحكم

إلى الرحمة الممتزجة من العذاب وهم المخلدون في النار قوله كان جواب لما ( فعبر ) الحق ( عن هذا المقام بأن الرحمة وسعت كل شيء وأنها سبقت الغضب الإلهي ) أي العذاب الإلهي باستيفاء . اعلم إن العذاب في حق العباد إلهي وإمكاني والعذاب الإلهي ينقطع باستيفاء حقوق اللّه وحقوق الناس في النار عن عصاة المؤمنين ثم يخرجون منها ويدخلون النعيم لأن ذواتهم يقتضي ذلك وعلم اللّه منهم فتعلقت مشيته على حسب علمه فوقع الأمر على حسب تعلق مشيته والعذاب الامكاني هو الذي يقتضيه ذات الممكن فلا ينفك ذلك العذاب عن ذات الممكن في الآخرة أبدا وهم المخلدون في جهنم أبدا فإنهم وإن انقطع العذاب الإلهي في حقهم باستيفاء الحقوق الشرعية لكن لا ينقطع عنهم العذاب الذي يقتضي ذواتهم ظهر لهم بانقطاع العذاب الإلهي عنهم فإن ذواتهم تقتضي ذلك وعلم اللّه منهم ذلك وتعلقت مشيته على ذلك فكانت المشية تابعة تقتضي ذواتهم فلا تسبق الرحمة في حقهم إلا على العذاب الإلهي لا العذاب الامكاني لتقدمه على المشية وإنما يكون ذلك أن لو كانت المشية مقدمة من كل الوجوه على ذوات المعلومات ومقتضياتها وليس كذلك كما قال الشيخ الأكبر : خسف الكتاب فما شاء إلا بما علم وما علم إلا ما أعطته المعلومات فسبق في حقهم من جهة كونهم تابعة للمشية في وجودهم ووجود مقتضياتهم فما لهم إلى الرحمة من هذا الوجه ، وأما من جهة أن المشية تابعة بأحوالهم ومقتضياتهم فما لهم إلى الألم فاللّه تعالى أعطى كل ذي حق حقه فحقهم على حسب اقتضاء ذواتهم الراحة مع الألم وهذا هو النعيم في عين الجحيم والنعيم الذي في عين الجحيم لا يخلو أبدا عن نوع من العذاب وبه حصل التوفيق بين أهل الشرع وأهل التحقيق فلا يزالون عن العذاب الممتزج بالألم أبدا ولو كان أحد منهم آمن باللّه ورسوله وعمل بمقتضاه ولا يعصي اللّه قط في مدة عمره ولا يبقي على ذمته حقوقه الناس أصلا وقبض في آخر جزء من عمره على الشرك للقضاء السابق عليه نعوذ باللّه من ذلك فقد وصل في النار بلا حساب ولا عذاب غايته وهي الرحمة الممتزجة بالألم كما أن من أهل الجنة من ينال غايته بلا حساب ولا عذاب ، وأما الذين لم يؤمنوا باللّه ورسوله فلهم عذاب أليم لاستيفاء الحقوق الشرعية ثم الوصول إلى غايتهم وهي الرحمة الممتزجة بالألم ، ومن العذاب الذي نشأ من شقاوتهم الذاتية حبسهم في بيت مظلم بلا أكل وشرب على الأبد وهو أقل العذاب الأبد لهم وأشد عذابهم خلودهم في نار شقاوتهم الذاتية بعد انقطاع عذاب نار شقاوتهم العارضية وهي مخالفتهم الشرائع وقد فهمت هذه المسألة من كلام الشيخ هكذا فتوفقت ولم أسطر إلى أن جاء الإثبات على فهمي من روح صاحب الكتاب ولقد أورد الشيخ هذه المسألة كثيرا ما استعظاما لشأنها واهتماما على فهمها فافهم فإن فهمها سعادة ينحل به جميع المشكلات الاعتقادية الكلامية الشرعية ( والسابق متقدم فإذا